محمد جمال الدين القاسمي
191
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ لوسّع عليهم أرزاقهم ، بأن يفيض عليهم بركات من السماء والأرض ، ويكثر ثمرة الأشجار وغلة الزروع ، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار ، فيجتنونها من رأس الشجر ، ويلتقطون ما تساقط على الأرض . وجعل ( من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) بمعنى الأمطار والأنهار التي تحصل بها أقواتهم - بعيد من الأكل . والأقرب الوجوه الثلاثة المتقدمة . ونبه تعالي بذلك على أن ما أصابهم من الضنك والضيق ، إنما هو بشؤم معاصيهم . وكفرهم ، لا لقصور في فيض الكريم ، تعالى . ودلت الآية على أن العمل بطاعة اللّه تعالى سبب لسعة الرزق ، وهو كقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 96 ] . وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 2 - 3 ] . فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً . . الآيات . [ نوح : 10 ] . وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً [ الجن : 16 ] . روى الإمام « 1 » أحمد عن زياد بن لبيد أنه قال : ذكر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم شيئا فقال : وذاك عند ذهاب العلم قال ، قلنا : يا رسول اللّه ! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة ؟ فقال : ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد ! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة . أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ، لا ينتفعون مما فيهما بشيء . و في رواية ابن أبي حاتم : أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى ؟ فما أغنى عنهم حين تركوا أمر اللّه ؟ ثم قرأ : لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ . . الآية . مِنْهُمْ أُمَّةٌ أي طائفة مُقْتَصِدَةٌ أي : عادلة مستقيمة ، وهم من آمن بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، كعبد اللّه بن سلام والنجاشي وسلمان وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ أي : بئس ما يَعْمَلُونَ أي : من تحريف الحق والإعراض عنه والإفراط في العداوة . والآية كقوله تعالى : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف : 159 ] . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 67 ] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 67 ) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ نودي صلى اللّه عليه وسلم بعنوان الرسالة تشريفا له وإيذانا بأنها من موجبات
--> ( 1 ) أخرجه في المسند 4 / 160 .